القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

من يتصفح الآن

يوجد حاليا, 67 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا

twitter


البحث



Helbest

 

 
 

الفنون الجميلة: مكاشفات أحمد عبدالله البار تنزاح نحو مدائن الضوء و اللون

 
الأحد 10 نيسان 2022


غريب ملا زلال

" إن عين الفنان يجب أن تكون سريعة و حادة، فليس هناك وقت لكي ترمش بعينك، و إلا أصبح الوقت متأخراً . " تذكرت مقولة فرناند ليجيه هذه و أنا بصدد الإقتراب من عالم الفنان التشكيلي السعودي أحمد عبدالله البار، أحد أهم الأسماء في المحترف التشكيلي السعودي من الرعيل الثالث، تذكرت هذه المقولة حين عرفت أنها تنطبق على البار، فهو الذي لا يرمش له عين حتى يقبض على كل لحظة، و كل ومضة، فهو في حالة فيضان إبداعي مذ أدرك وهج الفن و هي تلفح روحه، فاللون ينساب من بين أصابعه كنهر جارٍ على لوحات ستحمل رائحته، و رائحة ضربات ريشته، حتى تتراكم كمّاً و زمناً، فتشكل تجربته النابضة بإنفعالاته و بشحناته التعبيرية، و التي ستنتظم بعنفوانه، و بوعي منه على نحو مكثف في طرح سماتها، و ما تشهده من صراعات دائمة بين عناصرها، فهو يسيطر إلى حد بعيد على بيادر مساحاتها أقصد مساحات اللوحة، و لهذا فهو حريص على مواسمه أن تكون مثمرة و ناضجة، تتضمن جهداً إنسانياً تشهد له بتواجده في ثنايا ألوانه مهما كانت توترات ريشته عالية .


نعم ليس هناك وقت لترمش للبار عين و إلا فمن أين يأتي كل هذا النشاط الكثيف، فجعبته حافلة بالإنجازات، و له مشاركات في أكثر من 150 معرضاً تشكيلياً داخل المملكة السعودية و أكثر من عشرين مشاركة خارج المملكة (فرنسا، أرجنتين، أذيربيحان، إيران، سورية، إمارات، مغرب، تونس .... إلخ )، إضافة إلى معارض فردية كلها مرتبطة بأبجديته التي يشتغل عليها و التي تغتسل بضوء التعبيرية حيناً و حيناً بضوء التجريد، و حيناً أخرى بتجريدية مستحمة بالتعبيرية، فهو لا يخرج من جلباب المدارس بعد، ففي كل مرة يحاول الظهور بمجموعات جديدة لها سياقاتها الخاصة و التي تختلف بطقوسها و بخلق المعادل الموضوعي لها، فالبار على تواصل تام مع أحلام تسكن فيه، و يسافر إليها باللون علّه يلتقط ملامحها غير القابلة للترجمة إلا بهندسة حساباته و ما يسقطها في مفاهيمه التراثية التي يظهرها فيما بعد على نحو ملحوظ في جلّ أعماله، فهو في حالة من الحوار الذي لا ينتهي سواء مع ما يثيره و يستفزه، أو مع ما يساعده في تسكين القلق النائم بين خلجاته، في حالة من الحوار الذي يجعله يسافر بوداعة ناسك قادر أن يحقق حالة من التوازن بين البؤر المشتعلة و المحراب الذي يبحث عن السجود فيه، فالبار و في هذا التوازن الذي أشرنا إليه يزاوج بين اللون و مساراته من جهة، و بين الخطوط و مخارجها من جهة ثانية، و بين البؤر و الخلفيات من جهة ثالثة، و هذا ما يتماهى مع إحتوائه لكل محاولاته و مداها دون أن يكف في لجم كل ما يحاول النفاذ إلى خبايا اللوحة، يتماهى مع رؤيته للفن و التي بها يستعيد بعض إستقراءاته الغزيرة و المتنوعة في الظاهر و في الباطن معاً .
فبديناميكية حاذقة و متناغمة في الوقت نفسه يلجأ البار إلى التقنيات المعاصرة في منحاها التفجيري، فالمخزون لديه هائل، و ليس بمقدوره إنحباسه و لو لحين، فلا بد من الينابيع أن تشق طريقها من بين صخوره، و تفتح مجراها على نحو مغاير تماماً، على نحو شلالات لونية تنثر رذاذها كشواهد جمالية و كأنها إحتفاءات لونية تنبثق من مسالك ملتفة في الفضاءات تشكل تكوينات تجريدية فيها يبرز نسيج تجربته و تمزقاتها الداخلية الأقرب إلى الحزم القزحية المتراكمة و المحتشدة في أفقه المحكوم بالجمر الذي يغلي فيه، فالبار لديه من التوجهات ما يكفيه لملاحقة كل الظواهر التي قد تلد على الطريق، فيلتقط القضايا و سفرها، و يبتدع مفاهيم تنوب عنه في حضرة إستشراف العصر و ما فيه من صخب و عويل، كما يبتدع مقولات تخطو إلى الأمام، نحو مراحل فيها تتفاقم التناقضات بين مثله الأعلى حيث القيم الإنسانية و الجمالية في سقفها الأعلى، و بين تلك التي تختصر الكثير من المراحل بمآسي و آلام الناس، فهو بالفعل و الفاعل و المفعول به و بنقاء نفسي يلتفت إلى ما يبهر متلقيه، فهو لا يرسم إعتباطاً، و لا فراغاً يشغله بمكنوناته، بل يرسم للإنسان كأساس الأعلى الجمالي للفن، كغاية للحياة، و هذا ما يجعل تدفقاته أغزر و أعذب، و هو ما يجعل إنفعالاته تسبق أصابعه، أي أنه يتنفس من خلال أحاسيسه المرهفة و التي تسبقه لملىء فراغات لوحته دون أي إستهلاك لها في غير موضعها، فرغبته الدائمة تسبقه إلى مزاجة ألوانه و التي بدورها تترجم على البياض لتبوح عنه ما لم يستطع هو البوح به شفاهة، دون أية عملية معقدة، فلحظات الإندفاع للبوح تتجلى في رجع الصدى لقاعه الذي فيه يتلاشى سيزيف و بالتالي يتلاشى رفع الحجارة للسماء، كما يتلاشى المسار الطافح بالغبار، فتنكشف الإستيهامات بدلالاتها و هي تحشد في عوالمه المأهولة بالغرابة و إيماءاتها، المتزامنة مع إنشغالاته و مدركاتها، فالبار يحول الأشياء المعزولة من سياقاتها إلى الجدل الممكن بين مفرداتها و هي تتخطى مأواها، و كأنها ترتاد لحظات المكاشفة فيما بينها و إن كانت هذه اللحظات، هذه المكاشفات ستنزاح بحركات نحو مدائن الضوء و اللون، فالعالم عنده غير منفصل عن مركباته الجمالية، و بتحليل ما لوجوده في الزمان و في المكان، و بقدر واسع من الإمكان بجوانبه المختلفة، و نظراً لإستعابه لكل مظاهره على مستويات عدة، فهو في سعي دائم لفهم الأشياء من باب النزوع الدائم إلى تجاوز الخيبات لإكتشاف مفاتيح الدخول إلى أسرارها، دون وضع أي حد فاصل لدوافعه الجميلة، يترك العنان لها لتلتف بمقدرة و حب و حماس على فهمه العميق لواقعه القائم على معارفه و نغماتها المستحمة بأحلامه، فهو على باب مرحلة جديدة في تطور تجربته دون تزيينها، مرحلة كنتاج لتطوره الزمني، مرحلة ستكون مفعمة بالإحساس الشامل لكل خطواته و ما يحيط بها من شروط السبر العميق لجوهرها، و لجوهر الفهم المهيمن على فكره الجمالي المضاء بشعاعات روحية لا تتواجد إلا في حالات فيها يكون الفن ضرورة حياة و ضرورة وجود، لا نزق عابر، و لا نزيف عاشق، و من أجل ذلك كانت القوى المحركة التي تقف خلف إنبثاقاته هي قوى مشبعة بتأملاته الشخصية حيناً، و قوى تفكير بها يلجأ إلى منابع ظروفه الإستثنائية التي فيها يخرج كل نتاجه إلى النور .
البار ينتقل كحصان أصيل في الحلبة، ينتقل بشموخ بين المجالات الثلاثة التي يشتغل عليها (مصور تشكيلي، خزاف، حفار)، و إن كان في أكثر الأحيان يجر إلى مجال ما منه تحت تأثير بواعث معينة، تحت تأثير قوى كامنة في تطلعاته الذاتية و في وقائع العمل الفني، فهو ينطلق بشعور عميق و أصيل في أكثر من دائرة جميعاً تتقاطع لترسم ملامح تجربته كنفحات معاصرة تتكىء على الماضي، و تفهم الحاضر، و ترى الغد .















 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 4.33
تصويتات: 6


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات